ابن قتيبة الدينوري

127

عيون الأخبار

فعلت ببني عمه ، ثم ارجع إليّ حتى تخبرني بالخبر ، وتأخذ جواب ما قدمت له . فمررت بموضع القبر ، فرأيت إلى جانبه قبرا آخر ، فسألت عنه فقيل : قبر المرأة ، أكبّت على قبره ، ولم تذق طعاما ولا شرابا ، ولم ترفع عنه إلى ثلاثة أيام إلا ميتة ؛ فجمعت بني عمّها وبني عمّه ، وأثبتّهم في شرف العطاء جميعا . عن هاشم بن حسّان عن رجل من بني تميم قال : خرجت في طلب ناقة لي ، حتى وردت على ماء من مياه طيء ، فإذا أنا بعسكرين ( 1 ) بينهما دعوة ( 2 ) ، فإذا أنا بفتى شابّ وجارية في العسكر ، وإذا هو قد سمع نبرة من كلامها وهو مريض ، فرفع عقيرته ( 3 ) وقال : [ وافر ] ألا ما للمليحة لا تعود * أبخل بالمليحة أم صدود فلو كنت المريضة كنت أسعى * إليك ولم ينهنهني الوعيد فسمعت صوته فخرجت تعدو ، فأمسكها النساء ، وأبصرها فأقبل ينشد ، فأمسكه الرجال ، فأفلت وأفلتت ، فاعتنقا وخرّا ميّتين ؛ فخرج شيخ من تلك الأخبية حتى وقف عليهما . فاسترجع لهما ، ثم قال : أما واللَّه لئن كنتما لم تجتمعا حيّين لأجمعنّ بينكما ميّتين . قال : فقلت : من هذا ؟ قال : هذا ابن أخي ، وهذه ابنتي ؛ فدفنهما في قبر واحد .

--> ( 1 ) العسكر : الجماعة من كل شيء . ( 2 ) الدعوة : أي مقدار ما يكون بين المرء والمرء إذا دعاه سمعه ، يقال : هو منّي دعوة الرّجل : أي قدر ما بيني وبينه ذاك الذي ذكرناه . ( 3 ) العقيرة : الصوت ، والأصل في العقيرة أنّ رجلا لدغ في رجله فرفعها متوجّعا ، فقالوا رفع عقيرته ، وأصبحت تطلق على كلّ من يرفع صوته .